العودة   منتديات اسوار 2014 > منتديات اسلاميه الاسلام و القران الكريم > قصص الانبياء و الصحابه - قصص الرسول و الرسل
هل نسيت كلمة المرور؟

قصص الانبياء و الصحابه - قصص الرسول و الرسل يحتوي على قصص الانبياء للاطفال و قصص الرسل و معجزات القران كذالك قصص قصيره مختصرة من القرآن 2013

قصة يأجوج ومأجوج

قصص الانبياء و الصحابه - قصص الرسول و الرسل

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 02-12-2010, 10:12 PM   رقم المشاركة : ( 1 )
:: أسوار جديد ::


الملف الشخصي
رقــم العضويــة 541761
تـاريخ التسجيـل Jan 2010
العــــــــمـــــــــر
الــــــــجنــــــس  female
الأقـــــــامـــــــة
الدولــــــــــــــــة
المشاركـــــــات 17 [+]
عدد الــمواضيع
عدد الـــــــردود
عدد الـــنقــــــاط 10
قوة التـرشيــــح سنديات is on a distinguished road
بيانات اضافيه [ + ]

سنديات غير متواجد حالياً

B8 قصة يأجوج ومأجوج

مساء الخير يا حلووووووووووين
مرة قريت كتاب عن قصة يأجوج ومأجوج وكلنا نعرف أنهم من علامات الساعة الكبرى وبصراحة لما قريت ها الكتاب حسيت بقرب الساعة وخوف وخصوصا أن كل علاماتها الصغرى ظهرت وإليكم الموضوع وأتمنى ما أثقل عليكم




يأجوج ومأجوج






قال تعالى: "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون" الأنبياء(96).





(عن أم حبيبة بنت أبي سفيان عن زينب بنت جحش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوما فزعا يقول: "لا إله إلا الله, ويل للعرب من شر قد إقترب, فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها", قالت زينب بيت جحش فقلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث).

رواه البخاري


















بسم الله الرحمن الرحيم




المقدمة



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, الحمد لله الذي من علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم, فأخرجنا به من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان, وأخبرنا على لسانه بما كان وبما هو كائن إلى يوم القيامة.

إعلم أخي القارئ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ذكر لنا أشراط الساعة وبين لنا بصريح العبارة الأحداث التي تسبقها.

فعن الحذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما ما ترك فيه شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره, علمه من علمه, وجهله من جهله, وقد كنت أرى الشيء قد كنت نسيته فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه).

وأشراط الساعة: منها صغرى: وهي كثيرة من تتبعها أدرك أنها وقعت فعلا كما بينتها الأحاديث النبوية, ومن أراد معرفتها فليراجعها بالكتب الموثوقة, فعلماؤنا والحمد لله لم يتركوا شاردة ولا واردة إلا ذكروها وبينوا لنا غثها من سمينها.

ومنها كبرى: لم تقع بعد, ورد ذكرها في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولم يقع منها شيء حتى الآن, ولكن أوشك وقوعها.
قال تعالى: "إقتربت الساعة وانشق القمر".
وفي هذا البحث سأكشف لك أخي القارئ عن واحدة منها: هي فتنة "يأجوج ومأجوج".
أسال المولى عز وجل العون والمساعدة, فمن وجد في بحثي ما يسره فليحمد الله وليدعو لكاتبه خيرا, ومن وجد غير ذلك فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها جبر لتقصير المقصرين ولقلوب المنكسرين.



والحمد لله رب العالمين





ذكرهم في القرآن




ورد ذكر يأجوج ومأجوج في كتاب الله بموضعين:

الأول: في سورة الكهف عند الحديث عن ذي القرنين, قال تعالى: "ثم اتبع سببا. حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا. قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا. قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما. ءاتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال ءاتوني أفرغ عليه قطرا. فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا. فقال هذا رحمة من ربك فإذا جآء وعد ربي جعله دكاء. وكان وعد ربي حقا" الكهف(92-98).

الثاني: في سورة الأنبياء, قال تعالى: "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون. وإقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين. إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون" الأنبياء(96-98)












ذكرهم في الأحاديث النبوية




ورد ذكرهم في كثير من الأحاديث النبوية منها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف, وسأذكر لك أخي القارئ أمثلة منها على سبيل المثال الحصر.
روى مسلم في صحيحه قال حدثنا وهيب, حدثنا عبد الله بن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد وهيب بيده تسعين".

عن حذيفة الغفاري رضي الله عنه قال: "اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر, فقال ما تذكرون؟ قالوا نذكر الساعة. قال إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف, خسف بالمشرق, وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب, وآخر ذلك نار تخرج الناس من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم".



وسأذكر بقية الأحاديث من خلال موضوعات البحث إن شاء الله.



















معنى يأجوج ومأجوج




يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان بدليل منعهما من الصرف وعلتهما في منع الصرف العجمة والتعريف والتأنيث وهذا قول الأكثرين.

وقيل بأنهما مشتقان واختلف في اشتقاقهما فقيل من أجج النار وهو التهابها وقيل من الأجة بالتشديد وهي الاختلاط أو شدة الحر, وقيل من الأج وهو سرعة العدو وقيل الأجاجة وهي الماء الشديد الملوحة, وقد ذهب الجمهور إلى قراءتها بغير همز "ياجوج وماجوج" وقرأ عاصم بالهمز "يأجوج ومأجوج".


وجميع ما ذكر من الاشتقاق مناسب لحالهم موافق لأفعالهم.
فخروجهم سيكون سريعا لأنهم من كل حدب ينسلون, وسيجوبون الأرض فسادا وخرابا كالنار إذا عظمت التهمت كل شي في طريقها.

















نسبهم




اختلف العلماء في نسبهم على عدة أقوال أذكرها.

الأول: من بني آدم من أبناء يافث بن نوح وبه جزم وهب بن منبه وقال به مقاتل وغيره ويؤيده ما رواه أبو هريرة مرفوعا (ولد لنوح عليه السلام سام وحام ويافث, فولد لسام العرب وفارس والروم, وولد لحام القبط والبربر والسودان, وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالية).
وقد ذكر ابن عبد البر الإجماع على هذا القول, وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري وهذا هو المعتمد.

الثاني: يأجوج من الترك, ومأجوج من الديلم.

الثالث: قال القرطبي: ( وهذا ما فيه نظر لأن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يحتلمون وإنما هم –أي يأجوج ومأجوج- من ولد يافث بن نوح).

الرابع: قال النووي في الفتاوي: (يأجوج ومأجوج من أولاد آدم لا من حواء عند جماهير العلماء, فيكونوا إخواننا لأب).

قال ابن الحجر في فتح الباري: (ولم نر هذا عن أحد من السلف إلا عند كعب الأحبار, ويرده الحديث المرفوع أنهم من ذرية نوح عليه السلام, ونوح من ذرية حواء قطعا).












علاقة يأجوج ومأجوج بالأتراك




الأتراك جزء من يأجوج ومأجوج كما صرحت بذلك بعض الأحاديث النبوية فعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولد لنوح ثلاثة: سام أبو العرب, وحام أبو السودان, ويافث أبو الأتراك".
ويأجوج ومأجوج كما أثبنا سابقا من نسل يافث بن نوح, وعليه فهم يشتركون مع الترك من جهة الأب.
وأخرج ابن مردويه من طريق السدى قال: (الترك سرية من سرايا يأجوج ومأجوج خرجت تغير فجاء ذو القرنين فبنى السد فبقوا خارجا).
وأخرج الحاكم من رواية سعيد بن بشير عن قتادة قال: (يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة, بنى ذو القرنين السد على إحدى وعشرين وكانت منهم قبيلة غائبة في الغزو وهم الأتراك فبقوا دون السد).
وذكر القرطبي في تفسيره عن الضحاك قال: (الترك شرذمة من يأجوج ومأجوج خرجت تغير فجاء ذو القرنين فضرب السد فبقيت في هذا الجانب).
والمتتبع للأحاديث النبوية الشريفة يلاحظ تطابق الصفات التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف الأتراك مع يأجوج ومأجوج.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك, قوما وجوههم كالمجان المطرقة يلبسون الشعر ويمشون في الشعر".

وقال صلى الله عليه وسلم في وصف يأجوج ومأجوج: "إنكم تقولون لا عدو وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوا حتى تقاتلوا يأجوج ومأجوج عراض الوجوه صغار العيون, صهب الشعور من كل حدب ينسلون, كأن وجوههم المجان المطرقة".

قال القرطبي: ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم عددهم وكثرتهم وحدة شوكتهم قال صلى الله عليه وسلم: "دعوا الحبشة ما ودعكم واتركوا الترك ما تركوكم".

وذهب القرطبي إلى القول بأن الأتراك مقدمة ليأجوج ومأجوج إذن الأتراك ويأجوج ومأجوج من طينة واحدة ويجمعهم أب واحد وصفات واحدة.






أوصافهم الخلقية




ورد في أوصافهم أقوال كثيرة, وأشياء غريبة أذكر ما صح منها وأعرض عن ذكر ما لا يصح لعدم مطابقة بعضه لبعض.
قال الشوكاني في فتح القدير: (وقد وقع الخلاف في صفتهم فمن الناس من يصفهم بصغر الجثث وقصر القامة, ومنهم من يصفهم بكبر الجثث وطول القامة, ومنهم من يقول لهم مخالف كمخالب السباع, وإن منهم صنفا يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى, ولأهل العلم من السلف ومن بعدهم أخبار مختلفة في صفاتهم وأفعالهم).
والذي ذكوه الشوكاني في صفاتهم من رواية وهب من منبه ولنقرأ قول ابن كثير في قول وهب.
قال ابن كثير في تفسيره: (وقد ذكر ابن جرير عن وهب بن منبه أثرا طويلا عجيبا وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم, وروى أيضا ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة لا تصح أسانيدها والله أعلم).
ومن خلال قراءة الأحاديث النبوية ظهر لي أن أقرب الناس شبها بهم هم الأتراك مع وجود قصر فيهم للحديث الذي أخرجه ابن المنذر والحاكم وصححه ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (يأجوج ومأجوج شبر وشبران وأطولهم ثلاثة أشبار وهم من ولد آدم).
ومعلوم أن الخلق في تناقص من ناحية الطول فكل قرن أقصر من القرن الذي سبقه.
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: والصحيح أن يأجوج ومأجوج من بني آدم وعلى أشكالهم وصفاتهم وقد قال النبي صلى الله غليه وسلم: "إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن".
إذن صفات الأتراك مطابقة لصفات يأجوج ومأجوج ولننظر إلى صفات الأتراك كما بينتها الأحاديث النبوية.
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله غليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حيى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر, ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين, ذلف الأنف, كأن وجوههم المجان المطرقة".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله غليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك, قوما وجوههم كالمجان المطرقة يلبسون الشعر ويمشون في الشعر".
وعن خالد بن عبد الله بن حرملة عن خالته مرفوعا: "إنكم تقاولون لا عدو وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوا حتى تقاتلوا يأجوج ومأجوج عراض الوجوه صغار الأعين صهب من كل حدب ينسلون كأن وجوههم المجان المطرقة".
وعن قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تقاتلون بين يدي الساعة قوما نعالهم الشعر كأن وجوههم المجان المطرقة حمر الوجوه صغار الأعين".


مجمل هذه الأحاديث يبين لنا وبوضوح تام صفات يأجوج ومأجوج فهم عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة, والمجان جمع مجن وهو الترس, والمطرقة التي عليت بطارق وهو الجلد الذي يغشاه, فشبه وجوههم في عرضها ونتؤ وجناتها بالترس قد ألبست الأطرقة.

قال ابن الأثير: كأن وجوههم المجان المطرقة أي التراس التي ألبست العقب شيئا فوق شيء, ومنه طارق النعل إذا صيرها طاقا فوق طاق وركب بعضها فوق بعض.

ذلف الأنف: قال ابن الأثير: الذلف قصر الأنف وانبطاحه وقيل ارتفاع طرفه مع قصر أرنبته.
وقال الخاطبي: يقال أنف ذلف, إذا كان فيه غلظ وانبطاح.
عيونهم فيها صغر كأنها مخرومة.
صهب الشعور, شعورهم حمراء.
حمر الوجوه, يميلون إلى القصر.
يلبسون الشعر ويمشون في الشعر.














عددهم




اعلم أخي القارئ حفظك الله أن عددهم كثير كثرة هائلة حتى أن أولهم يمر ببحيرة طبريا فيشربها فيمر أواخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء.
وفي حديث عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثرتاه يعني "يأجوج ومأجوج").
قال ابن الكثير في البداية والنهاية: يعني ما كانتا مع شيء إلا غلبتاه كثرة, وهذا يدل على كثرتهم وأنهم أضعاف الناس مرارا عديدة, فهو أمم وخلق لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم.
وعن عبدالله بن عمرو قال: (إن الله تعالى جزأ الخلق عشرة أجزاء, فجعل تسعة أجزاء الملائكة وجزء سائر الخلق, وجزأ الملائكة عشرة أجزاء, فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزء لرسالته, وجزأ الخلق عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يأجوج ومأجوج, وجزء سائر الخلق).
ولكثرة عددهم فهم يأخذون الحيز الأكبر من الأرض, فقد أخرج الداني في سننه عن الأوزاعي قال: قال ابن عباس رضي الله عنه: (الأرض ستة أجزاء فخمسة أجزاء فيها يأجوج ومأجوج وجزء فيه سائر الخلق).
وأخرج ابن عدي وابن أبي حاتم والحاكم والطبراني وابن مردويه والداني في سننه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه, فقلت يا رسول الله وما يأجوج ومأجوج؟ قال: (يأجوج أمة ومأجوج أمة, وكل أمة أربعمائة ألف أمة, لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف عين تطرف ما بين يديه من صلبه).
قال ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري: الحديث ضعيف لكن لبعضه شاهد صحيح, أخرجه ابن حبان من حديث عبدالله بن مسعود رفعه (إن يأجوج ومأجوج أقل ما يترك أحدهم لصلبه ألفا من الذرية).
وأخرج النسائي من رواية عمرو بن أوس عن أبيه رفعه (إن يأجوج ومأجوج يجامعون ما شاءوا ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا).
وأخرج الحاكم عبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث وابن عساكر عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم ولا يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفا وصاعدا وإن من ورائهم ثلاث أمم تاويل وتاريس ومنسك).




هل هم موجودون الآن




عندما تقرأ قصة ذي القرنين من سورة الكهف فإن الآيات القرآنية تشير إلى وجودهم خلف السد الذي أغلقه عليهم ذو القرنين قال تعالى: "ثم اتبع سببا. حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا. قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا. قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما. ءاتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال ءاتوني أفرغ عليه قطرا. فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا"
ذو القرنين: القول الراجح فيه أنه ملك مسلم من ملوك اليمن, أعطي العلم والحكمة سمي بذلك لأنه ملك مشارق الأرض ومغاربها, يسر الله له أسباب الملك والفتح والعمران وأعطاه كل ما يحتاج إليه للوصول إلى غرضه من أسباب العلم والقدرة والتصرف.
بينت الآيات القرآنية أنه سلك طريقا جهة الشمال حيث الجبال الشاهقة حتى إذا وصل إلى منطقة بين حاجزين عظيمين وجد هناك قوما لا يخالطون الناس لبعدهم فثقل كلامهم, فأخبروا ذا القرنين عن يأجوج ومأجوج وأنهم مفسدون في الأرض, وطلبوا منه أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حاجزا, فأجابهم وبنى السد الذي سيأتي وصفه فيما بعد وهم الآن محجوزون خلفه لا يستطيعون الصعود عليه أو ثقبه, ومحاولاتهم لتسوره غير مجدية لعلو السد وملاسته, ومحاولة خرقه من أسفل لا طاقة لهم بها لصلابته وثخانته, وقد ورد في الحديث (أن يأجوج ومأجوج يحاولون كل يوم فتح ثغرة بالسد للخروج منه منذ أن بنى ذو القرنين عليهم السد إلى أن يأذن الله لهم بالخروج).
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن يأجوج ومأجوج ليحفرن السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا, فيعودون إله كأشد ما كان, حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله عز وجل أن يبعثهم إلى الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله, فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه ويخرجون على الناس).
قال تعالى: "وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض".
قال القرطبي في تفسيره والضمير في تركنا لله تعالى, أي تركنا الجن والإنس يوم القيامة يموج بعضهم في بعض.
وقيل تركنا يأجوج ومأجوج وقت كمال السد يموج بعضهم في بعض واستعارة الموج لهم عبارة عن الحيرة وتردد بعضهم في بعض كالمولهين من هم وخوف فشبههم بموج البحر الذي يضطرب بعضه في بعض.
وقيل تركنا يأجوج ومأجوج يوم انفتاح السد يموجون في الدنيا مختلطين لكثرتهم, قلت- أي القرطبي- فهذه ثلاثة أقوال أظهرها أوسطها وأبعدها آخرها وحسن الأول.
فالقرطبي يرجح القول بأنهم مضطربون, خائفون, يموج بعضهم في بعض من بعد ما بنى عليهم ذو القرنين السد, وحيرتهم هذه هي الدافع لهم لحفر السد كل يوم ليجدوا المنفذ للخروج.
إذن يأجوج ومأجوج موجودون الآن حتى أن البعض يعتقد أنهم أهل الصين, لتشابه صفاتهم معهم, وهذا توهم لا أساس له من الصحة, فيأجوج ومأجوج لا يستطيعون الخروج حتى يأذن الله لهم, فهم موجودون لكن أين؟ لا يعلم ذلك إلا الله تعالى.
وقد يتسائل البعض لو كانوا موجودين لتم اكتشافهم بالأقمار الصناعية والوسائل العلمية التي توصل إليها العلماء اليوم كفيلة بتصوير كل ما على الأرض والجواب على ذلك أن مكان وجودهم يدخل تحت حكم الغيب الإلهي كالجن والملائكة وكلهم موجودون وهم أكثر من يأجوج ومأجوج ولكن هل نراهم؟
هم يشاركوننا سكنى الأرض ومنهم من يسكن السماء ومنهم من يسكن على الماء لكن كيف لا نراهم لا نعرف لأن إرادة الله اقتضت أن يحجب عنا معرفة ذلك ومثلهم يأجوج ومأجوج فهم محجوبون عن الأنظار إلى حين خروجهم والله اعلم.



















بناء السد




كما ذكرنا سابقا فإن الذي بنى السد هو ذو القرنين بناء على طلب القوم الذين ذاقوا الويلات من يأجوج ومأجوج فعرفوا فسادهم فأخبروا به ذا القرنين.
وذكر العلماء في إفسادهم أمورا كثيرة منها:
قال القرطبي: واختلف في إفسادهم فذكر سعيد بن عبد العزيز أن إفسادهم كان أكل لحوم البشر.
وقالت فرقة: إفسادهم كان متوقعا أي سيقع مستقبلا, فطلبوا بناء السد على وجه التحرز منهم.
وذكر آخرون: أن إفسادهم هو الظلم والغشم والقتل وسائر وجوه الإفساد المعلوم من البشر.
وذكر الشوكاني في فتح القدير: أنهم كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء القوم الذين شكوهم إلى ذي القرنين في أيام الربيع, فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلا أكلوه.
هذا فساد جعل القوم يطلبون من ذي القرنين بناء السد, قال تعالى: " قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا".
وأخبروه على جهة الاستفهام أنهم مستعدون لجعل جزء من أموالهم ضريبة له إن هو قام ببناء السد, وهذا استدعاء منهم لقبول ما يبذلونه على جهة حسن الأدب.
لكنه أجابهم بأن ما بسطه الله له من الملك والقدرة خير من ضريبتهم وأموالهم, ولكنه طلب منهم أن يساعدوه بقوة أبدانهم وعملهم وآلات بنائهم, وهذا تأييد من الله تعالى لذي القرنين في هذه المحاورة, فإن القوم لو جمعوا له ضريبة لم يعنه أحد منهم ولوكلوه إلى نفسه لبناء السد, لكن معونتهم بأنفسهم وعملهم أجمل وأسرع في انقضاء هذا العمل. قال تعالى:" ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما "
وبدأ بناء السد فأمرهم بنقل قطع الحديد والتي تشبه القطعة منها اللبنة إلى مكان البناء ثم جعل يبنيها بين الجبلين, حتى حاذى بالبناء رؤوس الجبلين طولا وعرضا. وبعد أن أكمل البناء أمر العمال بإيقاد النار على قطع الحديد ثم النفخ بالكيران, وقيل كان يأمر بوضع طاقة من قطع الحديد والحجارة ثم يوقد عليها الحطب والفحم, ويأتي بالمنافخ فينفخ تحتها حتى تحمي وتصبح قطع الحديد حمراء كالنار لشدة توهجها واحمرارها ثم أمرهم بصب النحاس المذاب على الحديد المحمي فالتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا.
قال سيد قطب رحمه الله في ظلال القرآن: (وقد استخدمت هذه الطريقة حديثا- أي الطريقة التي بنى بها ذو القرنين السد- في تقوية الحديد فوجد أن إضافة نسبة من النحاس إلى الحديد تضاعف مقاومته وصلابته وكان هذا الذي هدى الله إليه ذو القرنين وسجله في كتابه الخالد سبقا للعلم البشري الحديث بقرون لا يعلم عددها إلا الله سبحانه وتعالى.



































وصف السد




أخرج البخاري تعليقا مجزوما به في صحيحه في كتاب الأنبياء قال (وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم رأيت السد مثل البرد المحبر قال: قد رأيته).
قال ابن حجر في فتح الباري وقد وصل هذا الحديث ابن أبي عمر من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن رجل من أهل المدينة انه قال للنبي صلى الله عليه وسلم (يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج, قال كيف رأيته؟ قال: مثل البرد المحبر, طريقة حمراء وطريقة سوداء).
وروى هذا الحديث الطبراني من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن رجلين عن أبي بكرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وذكر نحوه.
"والبرد المحبر" أي المزين, فالسد اختلط فيه صفرة النحاس وحمرته مع سواد الحديد.
وذكر ابن كثير أن الخليفة الواثق بعث بعض أمرائه وجهز معهم جيشا وكتب معهم إلى الملوك من أجل المساعدة للوصول إلى السد, ليكتشفوا خبره ويعينوه, وينعتوه له إذا رجعوا, فتوصلوا من بلاد إلى بلاد ومن ملك إلى ملك حتى وصلوا إليه, ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس وذكروا أنهم رأوا فيه بابا عظيما وعليه أقفال عظيمة ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك وأن عنده حرسا من الملوك المتاخمة وأنه عال منيف شاهق لا يستطاع تسلقه ولا ما حوله من الجبال ثم رجعوا إلى بلادهم وكانت غيبتهم أكثر من سنتين وشاهدوا أهوالا وعجائب.
وذكر ابن كثير في البداية النهاية رواية مطولة فقال: وكان الخليفة الواثق قد رأى في النوم كأن السد فتح, فأرسل رسوله وكتب له إلى الملوك بالوصاة به وبعث معه ألفي بغل تحمل طعاما فانتهوا إلى حدائق خراب, وهي التي كانت يأجوج ومأجوج تطرقها فخربت من ذلك الحين إلى الآن.
ثم انتهوا إلى حصن قريب من السد فوجدوا قوما يعرفون بالعربية والفارسية ويحفظون القرآن ولهم مكاتب ومساجد فجعلوا يعجبون منهم ويسألونهم من أين أقبلوا, فذكروا لهم أنهم من جهة الخليفة الواثق, فلم يغرفوه بالكلية, ثم انتبهوا إلى جبل أملس ليس عليه خضر, فإذا السد هناك من لبن حديد مغيب في نحاس وهو مرتفع جدا لا يكاد البصر ينتهي إليه وله شرفات من حديد وفي وسطه باب عظيم بمصراعين مغلقين عرضهما مائة ذراع وفي ثخانة خمسة أذرع وعليه قفل طوله سبعة أذرع في غلظ ذراع, وعند ذلك المكان حرس يضربون عند القفل كل يوم فيسمعون بعد ذلك صوتا عظيما مزعجا فيعلمون أن وراء هذا الباب حرس وحفظة, وقريب من هذا الباب حصنان عظيمان بينهما عين ماء عذبة, وفي إحداهما بقايا العمارة من مغارف ولبن من حديد وغير ذلك, وإذا طول اللبنة ذراع ونصف في ذراع ونصف في سمك شبر.
وذكر القرطبي في التذكرة قال: وفي تفسير الحوفي أن ذا القرنين لما عاين ذلك منهم, انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ فلما أنشأ في عمله حفر له أساسا حتى إذا بلغ الماء جعل عرضه خمسين فرسخا, وجعل حشوة الصخور وطينة النحاس يذاب ثم يصب فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض, ثم علاه وشرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس فصار كأنه برد حبره من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد.
وذكر القطبي في تيسير التفسير: أن طول السد خمسون ميلا وارتفاعه تسعة وعشرون قدما وسمكه عشرة أقدام وتتخلله بعض الأبواب الحديدية, وفي أعلاه برج للمراقبة.
وذكر النسفي في مدارك التنزيل: (قيل حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب, والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما, ثم وضع المنافح حتى إذا صارت كالنار صب النحاس المذاب على الحديد المحمي فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا جلدا وصلدا, وقبل بعد ما بين السدين مائة فرسخ).























مكان السد




تحديد مكان السد قطعا أمر غير وارد فنحن لا نستطيع الحزم بشيء عن مكان السد وأين هو؟
لأن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية لم تحدد ذلك بل جاءت مبهمة, تدل على منطقة بين حاجزين طبيعيين تفصلهما فجوة أو ممر بناء ذو القرنين.
ولكن وردت أقوال للعلماء عن مكان السد تخيما أنقلها للقارئ الكريم كما هي:
قال ابن كثير في تفسيره: يقول الله تعالى مخبرا عن ذي القرنين (ثم أتبع سببا) أي سلك طريقا من مشارق الأرض حتى إذا بلغ بين السدين وهما جبلان متناوحان بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الأتراك.
وقال الشوكاتي في فتح القدير: وقد أخرج ابن منذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى (حتى إذا بلغ بين السدين) قال الجبلين: أرمينية وأذربيجان.
وقال النسفي في مدارك التنزيل: وهذا المكان -أي مكان السدين- في منقطع أرض الترك مما يلي المشرق.
وقال سيد قطب في ظلال القرآن: كشف سد بمقربة من مدينة ترمذ, عرف بباب الحديد وقد مر به في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي العالم الألماني "سيلد برجر" وسجله في كتابه وكذلك ذكره المؤرخ الأسباني "كلامينجو" في رحلته سنة (1403م), وقال: إن سد مدينة الحديد على طريق -سمرقند والهند- وقد يكون هو السد الذي بناه ذو القرنين.
وذكر الأستاذ عبد العزيز بن عبد الرحمن المسند في كتابه عن الصين: (إن السد موجود اليوم في مكان جبلي شاهق الارتفاع, شديد التضرس قائم كجدارين شامخين على جانبيه في المضيق الجبلي المعروف باسم "داريال" وهو مرسوم في جميع الخرائط الإسلامية والروسية في جمهورية جورجيا, وقد استخدمت في تشيده قطع الحديد الكبيرة وافرغ عليه النحاس المنصهر كما وصفه القرآن تماما.
وهو كتل هائلة من الحديد المخلوط بالنحاس موجودة في جبال القوقاز, وهي أعلى جبال أوروبا قاطبة, إذ تصل قمة البروز فيها إلى ارتفاع (5630) مترا وتتجمد فوقها الثلوج.
وهي جبال شاهقة تمتد من البحر الأسود حتى بحر قزوين وتمتد حتى تصل بين البحرين بطول (1200كم), وهي جبال إلتوائية حديثة التكوين متجانسة التركيب من كتل هائلة من الحديد الصافي في سد داريال.
وذكر القطان في تيسير التفسير: (ويقول الخبراء الذين زاروا المنطقة أن هذا السد موجود الآن ويعرف بسد دربند بالقرب من مدينة ترمذ).






































محاولاتهم لهدم السد




ذكرت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن يأجوج ومأجوج يحاولون خرق السد كل يوم منذ أن بناه عليهم ذو القرنين وما زالت محاولاتهم لخرقه حتى الآن.
ولكن جميع محاولاتهم تبوء بالفشل ولم تنجح منها واحدة, وذلك لأن خرق السد مرهون بإذن الله تعالى وإرادته قال تعالى: "فإذا جاء وعد ربك جعله دكاء وكان وعد ربك حقا".
وإليك أخي القارئ الآيات القرآنية التي وردت في هذا الباب مع شرحها شرحا موجزا:
قال تعالى: " فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ".
قال ابن كثير: يقول الله سبحانه وتعالى مخبرا عن يأجوج ومأجوج أنهم ما قدروا على أن يصعدوا من فوق هذا السد ولا قدروا على نقبه من أسفله.
وقال القرطبي: ما استطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوه ويصعدوا فيه لأنه أملس مستوي مع الجبل, والجبل عالي لا يرام, وما استطاعوا نقبه, لبعد عرضه وقوته.
وأما الأحاديث:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في السد قال: (يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم ارجعوا فستخرقونه غدا, فيعيده الله عز وجل كأشد ما يكون).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون الشمس قال الذي عليهم -أي قائدهم- ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله عز وجل أن يبعثهم إلى الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غددا إن شاء الله, فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس).
ذكر صاحب فتح البارئ قول ابن العربي المالكي في هذا الحديث فقال: وفي الحديث ثلاث آيات:
الأولى: أن الله منعهم أي يوالوا الحفر ليلا نهارا.
الثانية: منعهم أن يحاولوا الرقي على السد بسلم أو آلة فلم يلهمهم ذلك ولا علمهم إياه ويحتمل أن تكون أراضيهم لا خشب فيها ولا آلات تصلح لذلك.
قال ابن حجر وهذا مردود فإن في خبرهم عند الوهب ابن منبه في المبتدأ أن لهم أشجارا وزروعا وغير ذلك من الآيات.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عمرو بن أوس عن جده رفعه (أن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاءوا, وشجر يلقحون ما شاءوا).
الثالثة: إن الله سبحانه وتعالى صدهم عن أن يقولوا إن شاء الله حتى يجئ الوقت المحدد لخروجهم.



































الأحداث الواقعة قبل خروجهم




علامات الساعة صغرى وكبرى, الصغرى ظهرت كلها, والكبرى أوشك وقوعها.
قال تعالى: "أتى أمر الله فلا تستعجلوه"
وقال تعالى: "إقتربت الساعة وانشق القمر", وانشقاق القمر من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة إلى المدينة المنورة.
ومن كبار أشرا طها نزول عيسى عليه السلام والدجال والدخان ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة.
قال الله تعالى في شأن عيسى عليه السلام: "بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما, وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا".
وقال تعالى في شأن الدجال: "هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون".
وقال الله تعالى في يأجوج ومأجوج: "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهو من كل حدب ينسلون".
وقال تعالى في شأن الدخان: "فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين".
وقال تعالى في طلوع الشمس من مغربها: "والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم".
وقال تعالى في خروج الدابة: "وإذا وقع القول أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يؤمنون".
وأما الأحاديث الواردة في علامات الساعة الكبرى فهي كثيرة لكنها لم تأت مرتبة حسب وقوعها, بل ذكرتها بلا ترتيب:
عن حذيفة رضي الله عنه قال: (اطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر الساعة فقال: لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها والدجال والدخان والدابة ويأجوج ومأجوج وخروج عيسى ابن مريم وثلاث خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب, ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا).
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول أشراط الساعة نار تخرج تحشر الناس من المشرق إلى المغرب).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بادروا بالأعمال ستا طلوع الشمس من مغربها أو الدخان أو الدجال أو الدابة أو خاصة أحدكم أو أمر العامة).
قال القرطبي في التذكرة:
(جاءت أحاديث علامة الساعة الكبرى مجموعة غير مرتبة وإن أول آيات ظهورا الدجال ثم نزول عيسى عليه السلام, ثم خروج يأجوج ومأجوج, فإذا قتلهم الله بالنغف على أعناقهم وقبض الله تعالى نبيه عيسى عليه السلام وخلت الأرض منه وتطاولت الأيام على الناس وذهب معظم دين الإسلام, أخذ الناس في الرجوع إلى عاداتهم وأحدثوا الأحداث من الكفر والفسوق كما أحدثوه بعد كل قائم نصبه الله تعالى بينه وبينهم حجة عليهم, ثم قبضه فيخرج الله لهم دابة من الأرض, فتميز المؤمن من الكافر ليرتدع بذلك الكفار عن كفرهم والفساق عن فسقهم ويستبصروا, وينزعوا عما هم فيه من الفسق والعصيان ثم تغيب الدابة عنهم, ويمهلون, فإذا أصروا على طغيانهم طلعت الشمس من مغاربها ولم يقبل بعد ذلك لكافر ولا فاسق توبة, وأزيل الخطاب والتكليف عنهم ثم كان قيام الساعة على إثر ذلك قريبا لأن الله تعالى يقول: "وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون" فإذا قطع عنهم التعبد لم يقرهم بعد ذلك في الأرض زمانا طويلا, هكذا ذكره بعض العلماء.
وأما الدخان فروي من حديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من أشراط الساعة دخانا يملآ ما بين المشرق والمغرب, يمكث في الأرض أربعين يوما, فأما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام, وأما الكافرون فيكون بمنزلة السكران, يخرج الدخان من أنفه ومنخريه وعينيه وأذنه ودبره ويكون خروجه بعد طلوع الشمس من مغربها).
إذن خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام وقبلهما ظهور المهدي كل هذه الأحداث تكون قبل خروج يأجوج ومأجوج.
ويؤيد هذا القول ما ورد عن النواس بن سمعان قال: (ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع(1) حتى ظنناه في طائفة النخل فلما رحنا إليه, عرف ذلك فينا, فقال ما شأنكم؟ قلنا يا رسول الله ذكرت الدجال الغداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل فقال غير الدجال أخوفني عليكم, إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه(2) دونكم وإن يخرج ولست فيكم فكل امرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم, إنه شاب قطط(3) عينه طافية, كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن, من أدركه فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف, إنه خارج خله(4) بين الشام والعراق, فغاث(5) يمينا وعاث شمالا, يا عباد الله فأثبتوا(6), قلنا يا رسول الله فما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما, يوم كسنة, ويوم كشهر, ويوم كجمعة, وسائر أيامه كأيامكم, قلنا يا رسول الله, فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا أقدروا له قدره. قلنا يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث إذا إستدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت, فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى(7) وأسبغه ضروعا(8) وأمده خواصر(9), ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون قوله(10) فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم فيمر بالخربة(11) فيقول لها أخرجي كنوزك كيعاسب النحل(12) ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيجعله جزلتين(13), رمية الغرض(14) ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك, فبينما هو كذلك, إذ بعث الله المسيح ابن مريم عليه السلام فينزل عند المنارة البيضاء(15)شرقي دمشق بين مهرودتين(16) واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ(17) ولا يحل لكافر يجد نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه(18) حتى يدركه بباب لد(19) فيقتله ثم يأتي عيسى عليه السلام قوما(20) قد عصمهم الله منه فيمسح على وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام "أني قد أخرجت عباد لي(21) لا يدان(22)لأحد بقتالهم".

1- خفض فيه ورفع: حقر الدجال وعظم خطر فتنته.
2- حجيجه: أحاجه وانتصر عليه.
3- قطط: شديد جعودة الشعر.
4- خله: طريق.
5- عاث: أشد الفساد والإسراع فيه.
6- فأثبتوا: اثبتوا على الحق ولا تتبعوا الدجال فيضلكم.
7- ذرى: أعلى الشيء.
8- أسبغة الضروع: ممتلئة بالحليب.
9- خواصر: أطوله خواصر لكثرة الشبع.
10-يردون قوله: يكذبوه.
11- الخربة: الأرض الخراب.
12- يعاسب النحل: اليعسوب أمير جماعة النحل فكلما طار تتبعه جماعته والكنوز مثله تتبع الدجال.
13- جزلتين: قطعتين.
14- رمية الغرض: يصيبه كما يرمي الهدف.
15- المنارة البيضاء: موجودة الآن في مطار دمشق الدولي وبنيت حديثا.
16- مهرودتين: لابسا ثوبين مصبوغين.
17- جمان كاللؤلؤ: ينحدر منه الماء على شكل حبات فضة تشبه اللؤلؤ بصفاتها.
18- فيطلبه: أي يطلب عيسى الدجال ليقتله.
19- باب لد: اللد بلدة قريبة من القدس وهي معروفة في فلسطين.
20- قوما: هم المهدي ومن معه.
21- عبادا لي: يأجوج ومأجوج.
22- لا يدان: لا قوة ولا قدرة لأحد لقتالهم.




خروجهم




بينت فيما مضى أن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم محاولين بذلك الخروج منه ولكن خروجهم مرتبط بإذن الله ومشيئته فإذا حان وقته هيئ الله لهم من الأسباب ما يمكنهم من الخروج ولقد جاء ذكر هذه الأسباب في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي الشريف وإليك أخي القارئ ما ورد في ذلك:

أولا: وعد الله:
قال الله تعالى على لسان ذي القرنين بعد أن أكمل بناء السد: "فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا".
إن خروج يأجوج ومأجوج مرتبط بوعد الله فإذا جاء وقت خروجهم على الناس لا يتأخرون عن ذلك الموعد.
قال الشوكاني في فتح القدير: إذا جاء أجل ربي أن يخرجوا من السد خرجوا, هذا الوقت المحدد لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.

ثانيا: خراب السد:
السد الذي بناه ذو القرنين على يأجوج ومأجوج فتح منه ثغرة صغيرة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أخبرنا عنها في الحديث الذي ترويه زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوما فزعا يقول: لا إله إلا الله, ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعيه -ضم طرفيهما معا على هيئة حلقة- الإبهام والتي تليها قالت فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث).
وعن سفيان بن عينية عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أم حبيبة زينب بنت جحش رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ من نومه فزعا وهو يقول: لا إله إلا الله, ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد سفيان بيده عشرة, فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث).
وعن وهيب حدثنا عبد الله بن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد وهيب بيده تسعين).
هذه الأحاديث بينت لنا أنه في زمنه صلى الله عليه وسلم فتحت فتحة في سد يأجوج ومأجوج أفزعت الرسول صلى الله عليه وسلم فحذر منها أمته وورد في قدرها قولان:
الأول: أنها بمقدار عقد العشرة, ومعناه أن يجعل طرف السبابة اليمنى في باطن طي عقدة الإبهام العليا.
الثانية: أنها بمقدار عقد التسعين, ومعناه أن يجعل طرف السبابة اليمنى في أصلها ويضمها ضما محكما بحيث تنطوي عقدتاها حتى تصير مثل الحية المطرقة.
وعقد الحساب هذا اصطلاح وضعه العرب بينهم ليستغنوا به عن اللفظ وكان أكثر استعمالهم عند المساومة في البيع فيضع أحدهما يده في يد الآخر فيفهمان المراد من غير تلفظ لقصد ستر ذلك عن غيرهما.
فشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدار ما فتح من السد مرة بعقد العشرة ومرة بعقد التسعين, وعقد التسعين أضيق من عقد العشرة.
وللجمع بين الحديثين قال النووي في شرح صحيح مسلم: قال القاضي عياض: "لعل حديث أبي هريرة متقدم فزاد قدر الفتح بعد هذا القدر, قال أو يكون المراد هو التقريب بالتمثيل لا حقيقة التحديد".
لقد خص الحديث العرب بالشر لأنهم كانوا حينئذ معظمهم من أسلم, والراد بالشر ما وقع بعد موته صلى الله عليه وسلم من قتل عثمان, ثم توالت الفتن حتى صارت العرب بين الأمم كالصعقة بين الآكلة كما وقع في الحديث الآخر: (يوشك أن تداعي عليكم الأمم كما تداعي الآكلة إلى قصعتها), قاله ابن حجر في فتح البارئ.
وقال القرطبي: ويحتمل أن يكون المراد بالشر ما أشار إليه في حديث أم سلمة (ماذا فتح الليلة من الخزائن, وماذا أنزل من الفتن, من يوقظ صواحب الحجرات -يريد أزواجه- لكي يصلين, رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة), فأشار بذلك إلى الفتوح التي فتحت بعده فكثرت الأموال في أيدي الناس فوقع التنافس الذي جر الفتن.
الثغرة موجودة, والحفر كل يوم, لكن متى الخروج "فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء" عندما يصبح السد مستويا بالأرض متهدما كأن لم يكن بالأمس, بأمر الله سبحانه وتعالى يكون خروجهم.
قال ابن كثير جعله دكاء: طريقا كما كان.
وقال الشوكاني في فتح القدير: جعله دكاء: أي مستويا بالأرض.
وقال الترمذي: أي مستويا, يقال ناقة دكاء إذا ذهب سنامها.
وقال القتيبي: أي جعله مدكوكا ملصقا بالأرض.
وقال الحليمي: قطعا متكسرا.
وقال الأزهري: دككته أي دققته.





مشيئة الله




فتح السد لا يكون إلا إذا ذكر أحدهم "إن شاء الله".
وفي أوائل سورة الكهف التي ورد فيها ذكر يأجوج ومأجوج مفصلا جاء قول الحق سبحانه وتعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم: "ولا تقولن لشائ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا".
وسبب نزولها أن قريشا بعثت النضير بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة المنورة فقالوا لهم سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفاته وأخبروهم بقوله فإنهم أهل كتاب وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء فخرجنا حتى أتينا المدينة المنورة فسألوا أحبار اليهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفوا لهم أمره وبعض قوله وقالا إنكم أهل كتاب وأهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا فقالوا لهم سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإلا رجل منقول فتروا فيه رأيكم. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول (أصحاب الكهف), ما كان من أمرهم, فإنهم قد كان لهم حديث عجيب؟ وسلوه عن رجل طواف (ذو القرنين), بلغ مشارق الأرض ومغاربها, ما كان نبوه؟ وسلوه عن الروح؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي, فاتبعوه, وإن لم يخبركم بذلك فإنه رجل منقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم, فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش, فقالا يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وما بين محمد, قد أمرنا أحبار اليهود أن نسأله عن أمور فأخبروهم بها, فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد أخبرنا؟ فسألوه عما أمروهم به فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبركم ولم يستثني (يقول إن شاء الله) فانصرفوا عنه ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحيا, ولا يأتيه جبريل عليه السلام حتى أرجف أهل مكة وقالوا وعدنا محمد غدا, واليوم خسة عشر قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه, وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه, وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ثم جاءه جبريل عليه السلام من الله عز وجل بسورة الكهف, وفيها إرشاد من الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إلى الأدب, فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة الله سبحانه وتعالى.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال سليمان بن داود عليهما السلام: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة, وفي رواية تسعين امرأة, وفي رواية مائة تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله فقيل له وفي رواية قال له ملك: "قل إن شاء الله" فلم يقل, فطاف بهن فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته وفي رواية ولقاتلوا في سبيل فرسانا أجمعين).
وكذلك يأجوج ومأجوج لا يفتح لهم السد إلا إذا قالوا غدا نفتحه إن شاء الله وإليك الأحاديث التي وردت بذلك.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في السد: (يحفرونه كل عام حتى إذا كادوا يخرقونه, قال الذي عليه ارجعوا فستخرقونه غدا قال فيعيده الله عز وجل كأشد ما يكون حتى إذا بلغوا مدتهم وأراد الله سبحانه وتعالى أن يبعثهم قال الذي عليهم إرجعوا فستخرقونه غدا إن شاء الله واستثنى قال فيرجعون كهيئته حين تركوه فيخرقونه ويخرجون على الناس).
فبرحمة الله سبحانه وتعالى كان بناء السد (قال هذا رحمة من ربي), وفتحه لا يكون إلا بمشيئة الله وهل يتحرك متحرك أو يسكن ساكن في الكون إلا بمشيئة الله وإرادته؟
قال صاحب الإشاعة: قال ابن العربي المالكي إن الله سبحانه وتعالى صدهم, أن يقولوا إن شاء الله حتى يجئ الوقت المحدد.
وقال الحافظ ابن حجر في فتح البارئ: (إن فيهم أهل صناعات وأهل ولاية وسلطة ورعية تطيع من فوقها وإن فيهم من يعرف الله سبحانه وتعالى ويقدر بقدرته ومشيئته).
ولهذا القول دليل ما رواه ابن مردويه عن حذيفة يرفعه (فيصبحون -أي يأجوج ومأجوج- وهو أقوى منه بالأمس حتى يسلم رجل منهم حين يريد الله أن يبلغ أمره فيقول المؤمن غدا نفتحه إن شاء الله, فيصبحون, ثم يعودون عليه فيفتح).
ويحتمل أن تجري تلك الكلمة وهي -إن شاء الله- على ذلك الوالي الذي يقولها من غير أن يعرف معناها فيحصل المقصود ببركتها دليل ذلك ما رواه عبد بن حميد من طريق كعب الأحبار عن يأجوج ومأجوج وفي (فإذا جاء الأمر ألقي على بعض ألسنتهم نأتي غدا إن شاء الله فنفرغ منه).













الخروج على الناس




قال تعالى: "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون".
خروج يأجوج ومأجوج بمشيئة الله سبحانه وتعالى, بعد أن يفتح السد يخرجون للإفساد ودب الذعر في الأرض, وإهلاك الحرث والنسل وقتل الناس.
خرجوا ليدمروا كل ما على الأرض, وليحاربوا أهل السماء, وإليك أخي القارئ ما ورد في كيفية خروجهم على الناس من الأحاديث النبوية الشريفة.
"كثرتهم"
عند خروجهم من السد لكثرتهم فهم من كل مرتفع ومن كل طريق, من كل أكمه من كل ناحية يسرعون النزول, يسرعون المشي للفساد في الأرض, لن يموت واحد منهم إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا (يأجوج أمة ومأجوج أمة, كل أمة أربعمائة ألف أمة لا يموت منهم حتى ينظر إلى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه). الناس جزء وهم تسعة أجزاء.
"يشربون مياه الأرض"
عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون, فيمر أوائلهم ببحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر أخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء).
قاتلك الله يا دجال الضلالة فلقد استفسرت عن ماء بحيرة طبرية فأنت يأجوج ومأجوج من نفس الطينة وتؤدون نفس الرسالة هم يشربون ماء الحياة حتى لا يبقى منه شيء من أجل أن يهلكوا من على الأرض.
وأنت تسقيهم من نهر الكفر بعد أن تعلن لأهل الدنيا أنك ربهم الأعلى فيصدقك الكثير منهم.
عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت: (سمعت نداء المنادي, منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي: الصلاة جامعة, فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته جلس على المنبر وهو يضحك فقال: أتجرون لما جمعتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم, قال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع وأسلم وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجال.
حدثني أنه ركب البحر في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهرا في البحر, ثم أرفؤا(1) إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس, فجلسوا في اقرب السفينة(2) فدخلوا الجزيرة, فلقيتهم دابة أهلب(3) كثير الشعر, لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر, فقالوا: ويلك ما أنت؟ قالت أنا الجساسة, قالوا وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير, فإنه إلى خبركم بالأشواق(4), قال لما سمت لنا رجلا فرقنا منها(5) أن تكون شيطانة, قال فانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير, فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا, وأشده وثاقا مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم؟ قالوا نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم(6) فلعب بنا الموج شهرا, ثم أرفانا إلى جزيرتك هذه, فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة, فلقينا دابة أهلب كثير الشعر, فقلنا: ويلك ما أنت؟ قالت أنا الجساسة, قلنا وما الجساسة؟ قالت اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق فأقبلنا إليك سراعا وفزعا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة, فقال أخبروني عن نخل بيسان, قلنا عن أي شأنها تستخبر, قال أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له نعم, قال أما إنه يوشك ألا يثمر(7) قال أخبروني عن بحيرة طبرية, قلنا عن أي شأنها تستخبر, قال هل فيها ماء؟ قالوا هي كثيرة الماء, قال أما أن ماءها يوشك أن يذهب(8) قال أخبروني عن عين زغر(9), قالوا عن أي شأنها تستخبر, هل في العين ماء, وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها...).
ويا ليت الأمر يقف عند شرب بحيرة طبرية بل يشربون كل أنهار الدنيا.
عن عبد الله بن عمرو قال: (يأجوج ومأجوج يمر أولهم بنهر مثل دجلة ويمر آخرهم فيقول قد كان في هذا النهر مرة ماء).
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يكون جمع منهم -يأجوج ومأجوج- بالشام وساقتهم في خرسان فيشربون أنهار المشرق حتى تيبس). وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس كما قال الله عز وجل "وهم من كل حدب ينسلون" فيغشون الناس وينحاز المسلمون عنهم على مدائنهم وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم ويشربون مياه الأرض حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابسا حتى أن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول قد كان ههنا مرة ماء).

1- أرفؤا إلى جزيرة: إلتجوا إليها.
2- أقرب السفينة: واحدها قارب وهي سفن صغيرة.
3- دابة أهلب: كثيرة الشعر, وشعرها غليظ.
4- إلى خبركم بالأشواق: شديد الشوق لسماع أخباركم.
5- فرقنا منها: خفنا منها.
6- حين اغتلم: حين هاج وجاوز حده.
7- يوشك أن لا يثمر: ونخل بيسان الآن لا يثمر, والنخل فيها قليل إن لم يكن نادرا.
8- يوشك أن يذهب: يشربه يأجوج ومأجوج.
9- عين زغر: جنوبي الأردن في غور الصافي.






معاركهم




يخرج يأجوج ومأجوج مسرعين من كل ناحية وصوب, همهم الإفساد في الأرض, يقتلعون زرعها, ويشربون ماءها, ويقتلون أهلها, لا يقف في وجههم شيء إلا أهلكوه, ومعاركهم مع البشر معارك شرسة, فقد أوجد الله فيهم من القدرة بحيث لا يستطيع بشر أن يقف في وجههم.
وهذا ما فهمته أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها عندما سألت الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما أخبرها بأنه فتح من ردم يأجوج ومأجوج فتحة فقالت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث.
لقد تبادر إلى ذهنها أن الفتحة ربما اتسعت بحيث يستطيعون الخروج وكان عندها علم أن في خروجهم على الناس إهلاكا عاما لهم.
ولشدة قوتهم وجلدهم وعدم مقدرة أحد بالوقوف أمامهم, يأمر رب العالمين سيدنا عيسى عليه السلام وهو الذي ينتصر على الدجال وجيشه, يأمره بأن يختفي بمن معه من المسلمين إلى جبل الطور, حتى ينجو ومن معه من شرهم وبطشهم.
ففي الحديث الذي أخرجه مسلم من حديث النواس بن سمعان بعد أن ذكر الدجال وقتله على يد عيسى عليه السلام قال: (ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة, فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد قتالهم (لا طاقة لأحد بقتالهم), فحزر عبادي (ارتحل بهم إلى جبل يحرزون به أنفسهم) إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون).
قال القرطبي في التذكرة: وذكر علي بن معبد عن أشعث عن أرطأة بن المنذر قال: (إذا خرج يأجوج ومأجوج أوحى الله تبارك وتعالى إلى عيسى عليه السلام أني قد أخرجت خلقا من خلقي لا يطيقهم أحد غيري فمر بمن معك إلى جبل الطور).
وذكر الإمام أبو الحسن محمد بن عبيد الكسائي في قصص الأنبياء عليهم السلام قال: قال وهب بن منبه وكعب الأحبار: (عندما يقتل عيسى عليه السلام الدجال يتزوج بامرأة من العرب, فيمكث ما شاء الله تعالى, ثم يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون, فتمتلئ الأرض منهم حتى لا يكون للطير موضع نقر فيه ولا ينزلون بلدا إلا بادوا أهله).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله تعالى "وهم من كل حدب ينسلون" فيعمون الأرض وينحاز منهم المسلمون حتى يصير بقية المسلمين في مدائنهم وحصونهم, ويضمون إليهم مواشيهم حتى أنهم ليمرون بالنهر فيشربونه حتى ما يذروا فيه شيئا فيمر آخرهم على أثرهم فيقول قاتلهم لقد كان بهذا المكان مرة ماء ويظهرون على الأرض).
يخرجون ولا طاقة ولا قدرة لأحد بقتالهم حتى أن الناس يختبئون منهم في حصونهم وبيوتهم ويفرون من أمامهم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرجون على الناس فيستقون المياه ويفر الناس منهم).
إلى أين يفرون؟ وفي أي مكان يختبئون؟ ويأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون.
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقيت ليلة أسري إبراهيم وموسى وعيسى عليه السلام, قال: فتذكروا أمر الساعة, فردوا أمرهم إلى إبراهيم عليه السلام فقال: لا علم لي بها. فردوا أمرهم إلى موسى عليه السلام فقال: لا علم لي بها. فردوا أمرهم إلى عيسى عليه السلام فقال: أما وجبتها (وقتها) فلا يعلم بها أحد إلا الله وفيما عهد إلي ربي آتي الدجال ومعي قضيبان فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص, قال فيهلكه الله إذا رآني حتى إن الحجر والشجر يقول يا مسلم إن تحتي كافر, فيقال فاقتله, قال فيهلكهم الله, ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم, قال فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون, فيطئون بلادهم ولا يأتون على شيء إلا أهلكوه ولا يمرون على ماء إلا شربوه).
ويا ليت الأمر يقف عند أهل الأرض فبعد فراغهم من أهل الأرض يوجهون سهامهم نحو النار لمحاربة أهلها, وهذا صنيع المتجبرين والمتكبرين في كل زمن.
روى مسلم في صحيحه عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الطائي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في شأن يأجوج ومأجوج: (ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر –الخمر بخاء وميم مفتوحتين الشر الملتف الذي يستر من فيه- وهو جبل بيت المقدس, فيقولون لقد قتلنا أهل الأرض, هلم فلنقتل أهل السماء, فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه السلام قال: (فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في يأجوج ومأجوج: (حتى لم يبق من الناس أحد إلا أحدا في حصن أو مدينة, قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم بقي أهل السماء قال ثم يهز أحدهم حربته ثم يرمي بها إلى السماء فترجع إليه مخضبة دما للبلاء والفتنة).
يقتلون خلقا كثيرا من أهل الأرض ويحاولون قتل أهل السماء ويستدرجهم الله من حيث لا يعلمون. فيرمون بأسلحتهم نحو السماء لقتل من فيها فترجع إليهم أسلحتهم وعليها الدماء فيظنون لغبائهم أنهم قتلوا أيضا من في السماء.





نهايتهم




إذا أراد الله أمرا هيأ له الأسباب وهكذا يأجوج ومأجوج يظنون أنهم انتصروا على كل من في الوجود فهم الذين قتلوا كل من على الأرض.
وهم الذين حاولوا قتل من في السماء وهذا يولد لهم شعورا بأنهم أقوى من في الوجود وهذا ينسيهم وجود إله قادر لا يعجزه شيء, فهو القاهر فوق عباده.
فإذا أراد الله هلاكهم أرسل عليهم جندا من جنوده, وجند الله هم الغالبون, ولا يعلم جنود ربك إلا هو.
عن النواس بن سمعان رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ويحصر نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خير من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب(1) نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف(2) في رقابهم فيصبحون فرسى(3) كموت نفس واحدة).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يبعث الله داء في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقه فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس, فيقول المسلمين ألا رجلا يشري لنا نفسه(4), فينظر ما فعل هذا العدو, قال فينجرد(5) رجل منهم محتسبا نفسه قد أوطنها على أنه مقتول(6) فينزل فيجدهم موتى بعضهم فوق بعض, فينادي يا معشر المسلمين ألا أبشروا إن الله عز وجل قد كفاكم عدوكم).
يموتون كنفس واحدة, يهلكهم الله جميعا بقدرته, ويعلم المسلمون بموتهم فيخرجون من حصونهم ويهبطون إلى الأرض ومعهم عيسى عليه السلام, ولكنهم لا يجدون في الأرض موضع شبر إلا وفيه جيفة من جيفهم, رائحتهم تزكم الأنوف ونتنهم يؤذي الناس, فيستغيث عيسى عليه السلام ومعه أصحابه بالله, ويطلبون منه العون أن يريحهم من جيفهم ونتنهم, فيرسل الله سبحانه وتعالى طيرا تحمل جثتهم فتطرحها حيث شاء الله.

1- يرغب: يدعو ويكثر من الدعاء.
2- النغف: جمع نغفة وهي الدود الذي يكون في أنوف الإبل والغنم.
3- فرسى: صرعى, هلكى.
4- يشري لنا نفسه: يحتسب نفسه عند الله وفي سبيله.
5- فينجرد: يخرج ويبرز إليهم.
6- أوطنها على أنه مقتول: يخرج معتقدا أنه سيقتل وتهيأ لذلك غري مبال بالقتل في سبيل الله.




وفي حديث مسلم عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثم يهبط نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم(1) ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرا كأعناق البخت(2) فتحلهم فتطرحهم حيث شاء الله ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر(3) ولا وبر(4) فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة(5) ثم يقال للأرض أخرجي ثمرك وردي بركتك, فيومئذ تأكل العصابة(6) من الرمانة ويستظلون بقحفها(7), ويبارك الله في الرسل(8) حتى إن اللقحة(9) من الإبل لتكفي الفئام(10) من الناس, فبينما هم كذلك, إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فيقبض الله عز وجل روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (فيبعث الله عليهم نغفا في أقفالهم فيهلكهم).
وقد روى الداني في سننه عن حذيفة رضي الله عنه (ثم إن عيسى عليه السلام يرفع يديه إلى السماء فيرفع المؤمنون معه فيدعو الله عز وجل ويؤمن المؤمنون(11) فيبعث الله تعالى عليهم دودا يقال له النغف فيدخل في مناخرهم حتى يدخل الدماغ فيصبحون أمواتا فيبعث الله عز وجل عليهم مطرا وابلا أربعين صباحا فيغرقهم في البحر, ويرجع عيسى عليه السلام إلى بيت المقدس والمؤمنون معه).
وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فينزل الله عز وجل المطر فتجرف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر ففيما عهد إلي ربي عز وجل إن كان ذلك كذلك فإن الساعة كالحامل المتم(12) لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلا أم نهارا).
وذكر صاحب الإشاعة: ويهبط نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا زهمهم أي شحمهم ونتنهم أي ريحهم من الجيف فيؤذون الناس بنتنهم أشد من حياتهم, فيستغيثون بالله فيبعث الله ريحا يمانية غبراء فتصير على الناس غما ودخانا وتقع عليهم الزكمة ويكشف ما بهم بعد ثلاث ليال وقد قذفت جيفهم في البحر.

1- زهمهم: رائحتهم النتنة.
2- كأعناق البخت: البخت إبل غلاظ الأعناق عظام الأجسام.
3- بيت مدر: بيت طين.
4- وبر: بيت الشعر.
5- الزلقة: المصففة المتلئة كالمرآة أو الصخرة الملساء.
6- العصابة: الفئة القليلة من الناس.
7- قحفها: قشرها المقعر.
8- الرسل: اللبن.
9- اللقحة: الناقة الحلوب.
10- الفئام: الجماعة الكثيرة من الناس.
11- يؤمن المؤمنون: يقولون آمين.
12- الحامل المتم: الحامل التي أتمت مدة الحمل وتنتظر وضع الجنين.






إنتفاع المسلمين بأسلحتهم




كثرة يأجوج ومأجوج تعني أيضا كثرة أسلحتهم وعتادهم وبعد موتهم سينتفع المؤمنون بها إن شاء الله وكذلك ستنتفع دواب الأرض بلحومهم فتأكلها فتسمن.
عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيوقد المسلمين من قصي(1) يأجوج ومأجوج ونشابهم(2) وأتراسهم(3) سبع سنين).
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فوالذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتبطر وتشكر شكرا(4) من لحومهم).
وروى مسلم عن النواس بن سمعان (ويستوقد المسلمون من قسيهم وجعابهم(5) سبع سنين).
وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فيخرج الناس ويخلون سبيل مواشيهم فما يكون لهم إلا لحومهم فتشكر عليها كأحسن ما شكرت من نبات أصابته قط).

1- قسي: جمع قوس وهو آلة من الآت الحرب.
2- النشاب: السهام التي ترمى بالقوس.
3- أتراسهم: جمع ترس وهو ما نقي به الضرب في الحرب.
4- تشكر: تسمن وتمتلئ شحما.
5- جعابهم: جمع جعبة وهي كنانة النشاب.



















بشرى للمؤمنين




روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم (يقول الله تعالى يا آدم فيقول وسعديك والخير في يديك فيقول أخرج بعث النار, قال وما بعث النار؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعين فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد, قالوا يا رسول الله وأينا ذلك الواحد؟ قال أبشروا فإن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألف ثم قال والذي نفسي بيده أني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا, فقال أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا, فقال أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبرنا, فقال ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود).
في هذا الحديث بشرى للمؤمنين يوم القيامة حيث يخاطب الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام فيجيبه آدم عليه السلام بلبيك وسعديك والخير بيديك, فيأمره رب العالمين بأن يميز أهل النار من غيرهم, وإنما خص رب العالمين آدم عليه السلام بذلك لأنه والد الجميع ولكونه قد عرف أهل السعادة من أهل الشقاوة فقد رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء وعن يمينه أسوده وعن شماله أسوده, فسأله عنهم فأخبروه بأن الذين على جهة اليمين هم أهل الجنة ومن هم على جهة اليسار هم أهل النار.
وهنا يستفسر آدم عليه السلام من رب العالمين عن مقدار بعث النار.
ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (فيقول يا رب كم أخرج؟ فيجيبه رب العالمين من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعين).
فعند ذلك يشيب الصغير وتضع الحامل ويصبح الناس سكارى وهذه الأمور كما هو معلوم من أمر الدنيا, والآخرة لا حمل ولا وضع ولا شيب ولا سكر وإنما المقصود بذلك هو التمثيل والتهويل.
قال النووي فش شرحه لصحيح مسلم إن الحال ينتهي أي أنه لو كانت النساء حينئذ حوامل لوضعت حملها, وقيل إذا رأى الناس آدم عليه السلام وسمعوا ما قيل له وقع بهم من الخوف ما يسقط معه الحمل ويشيب له الطفل وتذهل به المرضعة وعندما سمع الصحابة رضوان الله عليهم بعدد أهل النار واستعظموا ذلك وخافوا, فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الواحد الذي سيدخل الجنة, فبشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الواحد الذي يدخل الجنة منهم, أي من المسلمين سواء كان من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أو من غيره من الأمم وأن التسعمائة وتسع وتسعين من يأجوج ومأجوج وممن كان على الشرك مثلهم.
ثم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم كثرة من يدخل الجنة من أمته وأنهم نصف أهل الجنة على الرغم من قلتهم بين الأمم كبر الصحابة رضوان الله عليهم واستبشروا بما بشرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمدوا الله على نعمته العظمى وكبروه استعظاما لنعمته بعد استعظامهم لنقمته.
وهكذا تنتهي قصة يأجوج ومأجوج.



































السلامة من الفتن




من المعلوم أن بين يدي الساعة اختلاف وتطاحن وتشاحن وتباغض وبغي وعدوان حيث تختلط الأمور فلا يعرف الحق من الباطل ولا الخير من الشر وتسود الأهواء المظلمة والآراء القاتمة التي تكون كقطع الليل المظلم تغطي العقول بحلكتها وظلمتها ويدب الشر تحت حجبها الكثيفة دبيب الداء الفتاك, ويلتمس الحيارى المخرج فلا يهتدون إليه لأن الفتن تدع الحليم حيرانا فما بالك بغيره يطلبون المخرج فلا يجدونه, لأنهم يطلبونه من غير صاحبه وهو الله سبحانه وتعالى يطلبون المخرج من الظلام ويلتمسونه في الباطل, ويرون أنه في القسوة والقطيعة وهم يعلمون أن المخرج لا يكون إلا بالتمسك بنور الإسلام وبالحق والعدل يعلمون أنه في المحبة والتآلف والتآخي.
إذن أخوة الإيمان المخرج من الفتن لا يكون إلا بأمرين لا ثالث لهما مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا, كتاب الله وسنتي).
أما القرآن: فالحديث عنه لا يدخل تحت حصر ولا يقف عند حد ولا تتسع له بطون الكتب ولا تحيط به عقول المفكرين ولا المثقفين فصريحه نص قاطع ومعناه نور وهدايته صبح فماذا في وسع مبتغيه أن يقول فيه فهو كلام الله الذي أحاط بكل شيء علما وهو عالم الغيب والشهادة العليم الخبير.
وسأورد لك أخي القارئ بعضا من آيات كتاب الله التي تخبرنا عن عظيم فضله وفائق مزاياه وكامل معناه.
الأولى:
قال تعالى: "الم, ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين, الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون, والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون, أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون".
نعم إنه الشفاء الكامل النافع من الشكوك والأوهام ومن جميع الأدواء المعوقة والعلل المشينة ومن لا يستشف به فليس له فيما سواه شفاء ومن لم يهتد به فليس له في سبيل الرشاد هاد, فهو حقا هدى للمتقين ودليل للمؤمنين وصراط مستقيم للمسلمين به يعرف الهدى من الضلال والحق من الباطل والصواب من الخطأ والعلم من الجهالة والنور من الظلام.
والمتقون هم الذين تنطبق عليهم أوصاف التقوى الذين يمسكون للحصول عليها بالسبب الأقوى وهم المؤمنون حقا يقينا وصدقا.
خافوا مقام ربهم فاستقبلهم في الحياتين جنتان ففيهما كمالات الحياة التي لم تعرف النقصان جمع الحقائق واللطائف والرقائق ووضعوا أقدامهم على باب الجنة وقالوا هذه أرواحنا فاستقبليها لن نرجع عنك أبدا ولو قطعنا إربا إربا وكيف نرجع عنك وأنت مأوانا وغايتنا في دنيانا وآخرتنا:
الثانية:
قال تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم".
أمر من الله ولا يخفى عليكم معنى الاعتصام بكافة صوره المعنوية والمادية والحسية والوجدانية والفكرية والتعبدية وليس لكم إلا هذا الاعتصام حصنا ووقاية لأنه يدخلكم في حصن صاحب القوة والعناية لأنه تمسك بمبادئ الحق المتين وارتباط قوى بأسباب العز وأنضواء تحت سماء المنهج.
لا تدخلوا فيه بالتجربة فإن ذلك يتنافى مع طبيعة اليقين, اعتصامكم بالقرآن دليل وحده, والوحدة كما تعلمون قوة لا تقهر وما من أمة اعتصمت بكتابها إلا اعزها الله واعتنى بها وأذعن لها الزمن وظلت معه فتية محفوظة بالرعاية ملحوظة بالعناية عزيزة المراتب مرهوبة الجانب طويلة الباع مميزة الأخلاق والسجايا والطباع.
الثالثة:
قوله تعالى: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله"
معنوية تتجلى في أروع صورها لأنها تكتسب مقوماتها من إتباع صراط الله المستقيم الذي يسير فيه السائرون على هدى من ربهم وبصيرة, يسره لهم مولاهم فجعله سهلا ميسرا واضحا في معالمه المنيرة لا يضل فيها أحد, إمام السائر ينقيه رسول مبين ونبي أمين حمله الله عز وجل مسؤولية الأمانة فأحسن حملها وتبليغها, فأكرم به من صراط يبدأ بسم الله ولا إله إلا الله محمد رسول الله مركبة لا حول ولا قوة إلا بالله وجنابته ذلك الفضل من الله ومنته: "قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين". لا يسير فيه إلا من هداه الله ولا بتنكه إلا من جعله وأعماه.
الرابعة:
قوله تعالى: "أنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون".
حقا هم المؤمنون في قلوبهم سكن الخوف من الله فكان فيها علامة الفلاح والنجاح إذا ذكر الله تحرك القلب يقود الجوارح نحو أسباب الفوز والصلاح تتفجر من معناه ينابيع المعرفة وتتبلور في حقيقته معنى الشعور بالقيام بالمسؤولية بدون إبطاء ولا تهيب لأن معنى الخوف من الله تعالى عدم الخوف ممن سواه لعلمهم من هذا الخوف أن الله تعالى هو المالك وسواه الملوك وأنه المتصرف في ملكه كيف يشاء وغيره لا يملك نقيرا ولا قطميرا, يعلمون أنه النافع والضار وغيره لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة, يعلمون انه المحيي والمميت وغيره ليس له من الأمر شيء وأن الأمة لو اجتمعت على أن تضرهم بشيء لم تضرهم إلا بشيء قد كتبه الله عليهم ولو اجتمعت على أن تنفعهم بشيء لا تنفعهم إلا بشيء قد كتبه الله لهم, إنهم يعلمون إن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم وأن كل ذلك بيد الله تعالى وأنه تعالى وعد من أعطاه بالجنة وتوعد من عصاه بالنار.
فالخوف من الله من طبيعة الإيمان والخوف ممن سواه من إيهام الشيطان والشيطان ليس له على عباد الله المخلصين المؤمنين سلطان.
والخوف من الله حق, وممن سواه باطل والخوف من الله قوة وممن سواه ضعف وذلة.
والخوف من الله شجاعة وممن سواه جبن ومضيعة, قال صلى الله عليه وسلم: (شر ما في المرء جبن خالع وشح هالع), فحرام على المؤمن أن يوجل قلبه إلا بذكر الله وأن يخشع إلا أمام سلطانه وفي ذلك معنى الفضيلة وجماع مكارم الأخلاق التي ترتفع بها همم الرجال.
ولما ملك الخوف من الله هذه القلوب المؤمنة الكبيرة علمها كيف تتشوق إلى سماع آياته العظيمة لتصل بذلك إلى ما تشرئب إليه أعناق أصحابها من الوصول إلى ذروة السعادة في الدارين.
الخامسة:
قوله تعالى: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنون الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا"
يؤكد سبحانه وتعالى أن القرآن الكريم يهدي الناس للطريق القويم الصحيح التي هي أعدل وأصوب من غيرها إذ هي الصراط المستقيم الذي يتسع لجميع الخلائق بحيث لو ساروا فيه ما اختلف منهم اثنان.
قال بعض العلماء معنى للتي هي أقوم أي الحالة التي هي أقوم الحالات وهي توحيد الله والإيمان برسله لأنه بالتوحيد تتوحد القلوب وتتحد المشاعر وتتآلف الأرواح وتبتعد بوادر الخلاف.
وما أن عرف المسلمون أهداف القرآن الكريم حتى أذعنوا لامتثال أوامره وبذلك تمت لهم السعادة وظفروا بأسبابها وتغلبوا على جميع الصعوبات والعقبات التي كانت تعترضهم, والقرآن الكريم كما لم يزل وحتى قيام الساعة عنوان هداية للنفوس ونورا للقلوب ومادة للحياة ومنهجا للخير والعدل والتشريع, فقد جعله الله عز وجل كتاب الزمان والمكان فكل فرد له منه نصيب وكل مجتمع له فيه خير كثير والحياة لا تستقيم إلا به لأنه يهدي للتي هي أقوم.

السادسة:
قوله تعالى: "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا".
حمدا لله على هذه النعمة الدائمة التي لا تتغير ولا تتبدل ولا تحول ولا تزول, الحمد لله يليق بعظيم جلاله ودوام سلطانه وبقاء ملكه حمدا على ما أنزل على عبده من آياته بلسان عربي لا عوج فيه يصحح اعوجاج الفطر التي أمالتها رياح الأهواء فأصبحت به مستقيمة في آفاق السماء ومنحتها كل المقومات لتظل مستقيمة محفوظة من الاعوجاج والانحناء (ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) دين يضمن للنفس الاستقامة ويحقق لها أسباب السلامة كما قال تعالى: "أن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون". من أي يخاف أهل الاستقامة ولأي شيء يحزنون فالمستقيم على أمر الله آمن من تقلبات الأيام وغدر السنين.
السابعة:
قوله تعالى: "الله أنزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد".
قوله تعالى أحسن الحديث صفة من صفات القرآن الكريم التي جمعت معاني الحسن اللفظي والبلاغي والتعبيري وليس لمعاني هذا الحسن الجامع لصفات الكمال حد يقف عنده الواصفون ولا لجمال بلاغته صورة محددة يحيط بنعمتها الناعتون بل كما انتهى الفكر من وصف بديع انكشف له معاني حسنة من جديد بحيث تعجزه عن الإحاطة بوصفه.
ومن خصائص هذا الحسن أنه إذا سرى في نفس الإنسان معناه أخرج منها أثر حب كل ما سواه.
حقا إنه أحسن الحديث لأنه كلام الحق سبحانه وتعالى وأي حديث تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم مثل هذا الحديث ثم تلين قلوبهم إلى ذكر الله فهو كما قال تعالى: "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله".
لو أن كل واحد اخذ بناصيته من معنى أحسن الحديث لاتحدت المفاهيم وذلك يؤدي إلى اتحاد القلوب الذي يصل بالكل إلى بلوغ المراد ومن هنا نرى أن ليس في جوفه شيء من القرآن الكريم فهو كالبيوت الخرب وان الذي في جوفه القرآن فكأنما أدرك النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه.
اللهم اجعلنا جميعا من أهل القرآن ومن علينا بالتعبد حق تلاوته.







العصمة بالقرآن من خلال الأحاديث النبوية




أخرج الترمذي عن علي كرم الله وجهه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ستكون فتن كقطع الليل المظلم, قلت يا رسول الله وما المخرج منها؟ قال كتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تتشعب منه الآراء ولا تتشبع منه العلماء ولا يمله الأتقياء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعوه فقالوا: (إنا سمعنا قرآنا عجبا), من علم علمه صدق ومن قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعى إليه هدي إلى صراط مستقيم).
ولنقف عند كل عبارة من هذا الحديث لنعرف باختصار ما ينطوي عليه من معان سامية.
قوله صلى الله عليه وسلم (فيه نبأ من قبلكم) أي أخبار الأمم السابقة من هلك منهم ومن نجا وما سبب هلاك من هلك ونجاة من نجا وهو واضح من قصص القرآن الكريم التي تتحدث عن كل نبي مرسل والأمة التي أرسل إليها كما هي مفصلة تفصيلا كاملا وفي ذلك دروس لكل عبد مدكر فيأخذ الإنسان بأسباب النجاة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر والعمل بأركان الإسلام وشرائعه وأخذ الحلال وترك الحرام والاستقامة على مبدأ الحق وترك أسباب الهلاك وهي الكفر والظلم والترف والجور والافتراء والفتن والاعوجاج والركون إلى الدنيا والجهل بأمور الدين وترك العمل للآخرة إلى غير ذلك مما ليس له في دين الله سند.
قوله صلى الله عن أخبار الساعة وجميع الفتن إلى يوم القيامة ويحذركم منها لتسلموا كما سلم المسلمون الأوائل –أو هو- ما أخبر عنه القرآن من أشراط الساعة من ظهور الدجال بعد المهدي ونزول عيسى عند ذلك وخروج يأجوج ومأجوج حتى آخر علامة من علامات الساعة الكبرى.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (وحكم ما بينكم) واضح غاية الوضوح يفسره قوله صلى الله عليه وسلم (من حكم به عدل).
قال تعالى: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله". فقوله تعالى "بما أراك الله" دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من الخطأ في الحكم لأن الله تعالى يطلعه بوحيه على وجوه الصواب فالحكم في القرآن يضع الحق في مواضعه ويشمل الحكم كل صغيرة وكبيرة عامة أو خاصة, قال الله تعالى: "فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق", وفي ذلك دليل على أن الحكم بغير ما أنزل الله إتباع لأهواء الكافرين الزائغين, وقال تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما", فانظر كيف نفي عنهم الإيمان الصحيح الصادق بسبب عدم إذعانهم لحكم الله ورسوله كما قال تعالى: "وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون, وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين, أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون, إنما كان قول المؤمنين إذ دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون". وقد أهمل المسلمون الحكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم حيث قال: (لتنقضن عرى الإسلام عروة, عروة كلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولها نقضا الحكم وآخرها الصلاة), ويا ليت المسلمين قاموا بأداء الصلاة على الوجه الأكمل المطلوب من الشرع الشريف, فقد فٌقد الخشوع من الصلاة والكثير يصلون ويأكلون الربا ويسمحون لنسائهم وبناتهم أن يخرجن بزي مخالف لزي الإسلام وكثير منهم مستغرق بالغيبة والنميمة وشهادة الزور واللهو واللعب وغير ذلك.
مع أنهم يؤمون المساجد ويصلون, ونسوا أن "من تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له" أي أن صلاته ناقصة في معناها لخلوها من الخشوع والهيبة والتفكير والتدبر وغير ذلك من مقوماتها الروحية والوجدانية والمعنوية التي لا تتم إقامتها إلا بها, ويرجع حدوث النقص إلى إهمال الأمة أمر الدين لأنهم يهملون حمل بعضهم بعضا على تطبيق تعاليم الإسلام وتدريس القرآن الكريم تدريسا كاملا ليتم تنشئة الأجيال تنشئة إسلامية صحيحة.يقول صلى الله عليه وسلم (هو الفصل ليس بالهزل) -أي- فصل في الأمور كلها كبيرها وصغيرها خفيها وجليها سواء كانت دنيوية أو دينية أو أخروية أو عقائدية, وهو مأخوذ من قوله تعالى: "إنه قول فصل وما هو بالهزل" فهو يفصل في الأمور بالحق والصواب والعدل والقسط ولأن أمره جد لا هزل فيه وحاشا للقرآن الكريم أن يرضى بأدنى حالة من حالات الهزل والله سبحانه يقول عنه: "ليظهره على الدين كله", ومعلوم أن الهزل لا يفعل شيئا مفيدا ولا يحقق أهدافا سامية عجز عن تحقيقها أرباب القوة ومظاهر الجد تبدو على جميع أوامره ونواهيه في كل زمان ومكان.
وقوله صلى الله عليه وسلم (من تركه من جبار قصمه الله) الجبابرة يفسدون في الأرض ولا يصلحون ويجعلون من أنفسهم طواغيت يدعون الناس إلى موافقتهم في كل ما يقولون ويفعلون فمن وافقهم قربوه وأدنوه ومن خالفهم أبعدوه وأقصوه وحرموه, وهذا النوع من البشر موجود في كل زمان فكم من جبار قصمه الله بعد أن تطاول على سلطان الله تعالى فبدل من أن يقول للعباد أنا وأنتم من عباد الله ونحن وإياكم في ملك الله قال لهم: أنتم لي بمنزلة العبيد والملك ملكي والأمر أمري ولي الحق في أن أحكم على عباد الله بما أشاء وأما دعواه فهي مردودة كما قال تعالى: "كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار",وعندما يطبع على قلب الإنسان يصبح غير صالح لقبول الحق وإن كان أحلى من العسل وأعذب من السلسبيل وأوضح من النهار لأنه يستحب العمى على الهدى وإذا أردت الاستزادة فأرجع إلى أخبار السالفين من الأمم الغابرة وإلى تاريخ الظالمين والجبابرة كما قال تعالى: "فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر".
قوله صلى الله عليه وسلم (ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله) مأخوذ من قوله تعالى: "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين", الذي يتبع الهدى في غير القرآن الكريم يحكم عليه السلام بالإشراك بالله تعالى ولا يحدث هذا من مسلم أبدا لأن المسلم على بينة من ربه وكم حاول المشركون أن ينالوا من إيمان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة بعد أن أذاقوهم اليم العذاب ولكنهم لم يستطيعوا أن يحققوا ما هو أدنى من مثقال ذرة.
لأن الإنسان عندما يكون على هدى من الله تعالى يكون مرتبطا ارتباطا ثابتا بالحق والقوة والمنعة والثبات فلا يستطيع أحد من الناس أن يضله أما الذي يبتغي الهدى من غيره فهو على غير هدى من الله تعالى وبذلك يقع في الضلالة ويكون في عداد الذين ضلوا وأضلوا وكم في القرآن الكريم بأنه (هدى للمتقين) وبأنه (هدى ورحمة) فهو الحق ولا يتصور أن هناك من يهدي إلى الحق غيره أبدا إذن فطالب الهدى في غيره يشتري الضلالة بالهدى وبذلك يظل مع الضالين.
وقوله صلى الله عليه وسلم (هو حبل الله المتين) مأخوذ من قوله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" ويسمي القرآن حبل الله من باب التشبيه المعنوي وليس التشبيه الحسي المادي الفارق بين الحبل المعنوي والحبل الحسي المادي لأن الحبل المعنوي مضمون البقاء متوفر القوة دائما وأبدا بخلاف الحبل الحسي المادي فإنه معرض للتلف والنقص من بعد قوة.
ألم يكن العرب في جاهليتهم قبل الإسلام في هوة سحيقة رمتهم فيها وبغير رحمة آثار الجاهلية العمياء وكبكبتهم فيها ولم يجدوا وقتئذ من يستطيع أن يمد لهم يدا ليغيثهم أو لينقذهم منها وفاقد الشيء لا يعطيه لكن لما أنزل الله تعالى من عليائه هذا الحبل وقال لهم خذوا بطرفه بأيديكم القوية وسواعدكم الفتية وأخرجوا من أعماق هوتكم ولا تخافوا لأن طرفه العلوي بيدي وثقوا بمتانته وارتقوا به أفراد وجماعات حتى آخر رجل منكم وقد خرجوا بسببه من ظلمة تلك الهوة وضيقتها إلى نور الإسلام وسعته.
قوله صلى الله عليه وسلم: (ونوره مبين) وللقرآن أسماء كثيرة منها هذا الاسم "نور" قال تعالى: "وأنزلنا إليكم نورا مبينا" وهذه العبارة مأخوذة من هذا النص القرآني الكريم فالقرآن الكريم حقا هو النور المبين هو نور القلوب وسراج العقول بل نور "يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم" نور أوقده الله تعالى في قلوب المؤمنين فأضاءت به جنبات نفوسهم ثم انطلق النور يسعى بين أيديهم وبإيمانهم يضيء لهم سبيل الحق أينما ساروا وحيثما كانوا فهو كما قال تعالى: "كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور" إنك لو وضعت هذا المصباح الحصين الدائم الاتقاد في مهب الريح فإنه يظل متقدا كما هو في ذاتيته المشعة ومادته المضيئة حتى لو طغت به الأرجاء وطرت به بين السماء والأرض ثم إنك لا تجد شيئا ينقصه ولا سببا يضعفه انظر قوله تعالى: "يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره"
وقوله صلى الله عليه وسلم (وهو الصراط المستقيم) وهو في غاية الوضوح حيث ذكر الصراط في القرآن في عدة مواضع في فاتحة الكتاب "اهدنا الصراط المستقيم" وفي سورة النساء: "ويهديهم إله صراطا مستقيما" وفي سورة يوسف: "قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله" وفي سورة يس: "إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم" وفي سورة الشورى: "وأنك لتهدي إلى صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض" فهو الصراط المستقيم الذي لا عوج له لأنه يقوم الأمور في النفوس على حقيقتها ويسير بالناس في ظل منهج واحد على هدى من الله وبصيرة فلا يميل ولا يزيغ.
قوله صلى الله عليه وسلم (وهو الذي لا تزيغ به الأهواء) والأهواء تنقسم إلى قسمين الأول يميل بالإنسان إلى الحق والثاني يميل إلى الباطل والذي يميل إلى الحق موحد والذي يميل إلى الباطل مفرق فأهل الحق متفقون على هوى واحد وهو الميل إلى الحق وأهل الباطل منقسمون على أنفسهم كل يحمل هوى يختلف به مع هوى الآخرين ولذلك فأهواء أهل الحق مجسدة في معنى الحقيقة تجسيدا صحيحا وبحكم هذا الميل إلى الحق يتحقق الارتباط بمبدئه الواحد الصحيح وهو مبدأ التوحيد الذي يجمع القلوب ويوحد المفاهيم والشعور لأن أهواء أهل الحق تتصرف حسب مقتضى أهداف الإيمان السامية ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جنت به) وأول أهداف الإيمان جمع القلوب على حقيقة التوحيد وبذلك يتحقق توحيد الأهواء فتتم وحدة المسلمين وينطبق عليهم معنى "كالجسد الواحد" "وكالبنيان يشد بعضه بعضا" فالقرآن الكريم من عند الله موحد في معناه وأحكامه وأهدافه فما دامت الأهواء معه ومع تعاليمه فهي بتعاليمه دائما مستقيمة بعيدة عن الزيغ والزلل.
قوله صلى الله عليه وسلم (ولا تلتبس به الألسنة) لأنه لا يشبه كلام البشر وفي غاية الوضوح في أسلوبه ونظمه يسهل على القارئ قراءته على حقيقته حتى ولو كان اللسان غير عربي فإنه ينسجم معه النور في خطه المستقيم.
قال تعالى: "وهذا لسان عربي مبين" وهو كفيل بسلامة الألسنة من الملابسات والأخطاء بل إنه كفيل بتقويمها وإعطائها صفة التقويم أبدا فكلما قرأته بالتلاوة كلما ازدادت فراسة وتقويما ولسان المؤمن وراء قلبه فهو لا يترجم إلا عن معنى الحقيقة المستقرة في قلبه.
قوله صلى الله عليه وسلم (ولا تتشعب معه الآراء) والآراء جمع رأي والرأي عبارة عما يراه الإنسان في نظره صوابا حتى ولو كان الإنسان مخطئا في رأيه فهو في نظره صوابا حتى ولو كان الإنسان مخطئا في رأيه فهو في نظرته الفاسدة يظن الخطأ صوابا وأما صاحب القرآن فليس معه رأي إلا ما يعرفه من تصويبه للأمور على حقيقتها فهو بحكم هذا التصويب يجمع الآراء كلها على معرفة الحق الغير متشعب.
ولما توحد رأي المسلمين به حفظهم الله تعالى من الاختلاف أو الاجتماع على ضلالة ولا يعني تعدد المذاهب الفقهية أن هناك خلافا في الآراء وليس كذلك فإن المذاهب الفقهية أن هناك خلافا في الآراء وليس كذلك فإن المذاهب إنما دونت لبيان وجوه الشريعة الإسلامية المسفرة عن جمال التشريع الإسلامي ليتعشق كل إنسان مع المقلدين ما يحبه منها أما العقيدة فهم متفقون على توحيد معناها توحيدا يتناسب مع حقيقتها حتى مع وجود مسائلها الكثيرة لأن مسائلها ليست كمسائل الفقه, وخلاصة القول إن آراء المسلمين موحدة لأنها تجتمع على بيان مسائل التشريع بيانا يتناسب مع تعدد وجوهها وليس ثمة مجال لمعنى الاختلاف في الأصول والعقيدة حتى أن آراء المؤمنين في العقيدة متفقة على صحتها من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
قوله صلى الله عليه وسلم (ولا تشبع منه العلماء) دليل على أن للعلماء في أفكارهم ميادين واسعة ليست لها حدود وان في قلوبهم خصائص القابلية اللامنتهية لتوالي استيعابها لمعانيه ولأنه يحتوي على مادة الحياة المنية للشخصية والمواهب والشعور والوجدان ولأنها مادة حلوة عذبة ذات خصائص شهية في ذوقها وتذوقها من شأنها أن تزيد الإنسان في لمحات الحياة توقا إلى معرفتها وتناولها من فنن دوحتها ورصدها في خزانة الفكر, قال تعالى لنبيه الكريم "وقل ربي زدني علما" وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا أتى علي يوم لا ازداد فيه علما يقربني إلى الله فلا بورك في طلوع شمس هذا اليوم).
قوله صلى الله عليه وسلم (ولا يمله الأتقياء) وهذه العبارة قريبة المعنى من أختها الآنفة الذكر لأن العلماء هم الأتقياء والأتقياء هم العلماء وكلاهما عالم عامل يطلب العلم بالتقوى ويحصل على التقوى بالعلم مع حرصهم الشديد على إنفاق الوقت فيما يقرب من الله تعالى بهم وكم في القرآن الكريم من آيات كريمة تشيد بذكر العلماء والأتقياء وترفعهما إلى الدرجات العلى في الدنيا والآخرة "مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين" كيف لا وأمام العلماء الأتقياء حبيب الله الأعظم ورسوله المكرم هو قائدهم ومعلمهم وأسوتهم وهو القائل: (اتلوه فإن الله يأجركم بكل حرف عشر حسنات) وبما أن قارئ القرآن بعلم وتقوى وتدبر وتفكر واعتبار وتشوق يزداد أنسا بمولاه حال كونه مستغرقا بمناجاته قرير العين بما تحفه من هباته فأنه يتفق مع تلاوته جل أوقاته ولا يمله ولو قرأه في كل يوم أو في كل إسبوع.
قوله صلى الله عليه وسلم (ولا يخلق على كثرة المدد) بمعنى أنه قائم بالحجج الدامغة لمزاعم المبطلين إلى يوم الدين وأنه يتجدد مع الأزمان محفوظ من أن تمتد إليه أيدي المحرفين كغيره من الكتب بل هو كما قال الله تعالى "بل هو قرآن مبين في لوح محفوظ"
قوله صلى الله عليه وسلم (ولا تنقضي عجائبه) وهذه العبارة كذلك قريبة المعنى ممن سبقتها ويجوز أن يكون المراد من هذه العجائب الكونية التي أخبر عنها القرآن الكريم أنها ستظهر في أوقاتها المحددة لها فما من عجيبة كونية مرئية أو غير مرئية متقدمة على نزوله أو متأخرة ظهرت أو لم تظهر بعد إلا تحدث عنها القرآن بحديث مشوق لمعرفتها قال تعالى: "ما فرطنا في الكتاب من شيء". فالطبيعة وما تحتوي عليه من ثروات لا ينتهي اكتشافها أبدا ولو استخدم الإنسان في ذلك كل ما يملك من وسائل علمية حتى آخر الزمان فإنه يرى نفسه وكأنه لم يكتشف شيئا بعد أما بالنسبة بما يتعلق بذات الإنسان نفسه فإن ما انتهي إليه علم العلماء إلى ما في عجائب تكوينه هو بحاجة تكوينه هو بحاجة إلى اكتشاف ما وراء ذلك مما لا يقف بهم عند حد ولا يدخل تحت حصر وهل في استطاعة الإنسان أن يكشف سر الحياة كالروح المدبرة والعقل المفكر وإدراك الحواس المدركة وكيفية وطريقة إدراكها كالسمع والبصر وغيرهما وانبعاث سر الإدراك من كل منهما وهنا نقف عند هذا المقدار والله الموفق.
قوله: (وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعوه أن قالوا "إنا سمعنا قرآنا عجبا". وذلك لأن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم تشمل الجن والإنس وهم مكلفون بالإيمان به كالإنس وهذه الآية الكريمة جاءت في سورة الجن التي أفردها القرآن الكريم للحديث عنهم حيث أخبر بأنهم مجرد سماعهم لتلاوته "فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا" إلى آخر السورة فهي بما اشتملت عليه من أنباء إنما تدل على أن القرآن الكريم لا تستطيع النفوس الجبارة أن تواجهه ولا العتاة أن تتأخر عن الإذعان له فبمجرد سماعهم للقرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم سرى بتأثيره في نفوسهم فسيطر على كل ما يملكون من قوى ذاتية ولم يسعهم إلا أن قالوا "إنا سمعنا قرآنا عجبا"..الخ
قوله صلى الله عليه وسلم (من علم علمه صدق) لأنه يمتطي جواد السبق في ميدان المعرفة حتى يمكنه رؤية الحق جلا وعلا في جنات عدن كما قال تعالى: "والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم" وما ذلك إلا لأن أهل العلم والمعرفة بالقرآن من أهل هذا السبق لما علموا به عملوا.
قوله: (ومن قال به صدق) لأنه كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد, قال تعالى: "والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ربهم", قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أصدق الحديث كتاب الله). والأمر واضح جلي من أن الذي يقوله القرآن صدق لأنه يأتي بالخبر المطابق للواقع, والصدق عند أهله هو مطابقة الخبر للواقع فهو الحقيقة بعينها.
قوله (من حكم به عدل) لأن فيه جميع الأحكام الشرعية العادلة التي لا جور فيها ولا حيف وهي تشمل جميع شؤون الحياة بكافة أنواعها وما من شأن من شؤونها أو أمر من أمورها إلا له في التشريع الإسلامي حكم خاص به يعطيه صفة العدل والقسط وهذا مما يطول شرحه فأطلبه من كتب الفقه تجد كل شيء مفصلا تفصيلا وافيا.
قوله: (ومن عمل به أجر) وليس للعامل بالقرآن أجر إلا الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم: (يقال لقارئ القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرئها), ومعلوم أن هذه الدرجات لا تحصل إلا بالقراءة والعمل معا, وليس مجرد القراءة دون العمل فإن القرآن الكريم حجة للإنسان أو حجة عليه فمن قرأه وعمل به نال الدرجات العلى ومن قرأه ولم يعمل به زجه لقفاه إلى النار نسأل الله العفو والعافية.
قوله (ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم) فيا دعاة الحق والهدى شمروا عن سواعد الجد وامتطوا عزيمة الإيمان وجدوا وثابروا واصبروا وشدوا العزم وانفروا وتمسكوا بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وكونا من الدعاة المخلصين والعلماء العاملين والأتقياء المخلصين والفقهاء الناصحين والوعاظ الباريين واجعلوا القرآن إمامكم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعظوا الناس بأحوالكم قبل أن تعظوهم بأقوالكم وأدرا إلى الله أماناتكم وقولوا الحق من ربكم وأنصحوا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم وخاطبوا الناس بما تصل إليه عقولكم ومروا بالمعروف وأنهوا عن المنكر وكونوا كما قال الله عنكم: "كنتم خير أمة أخرجت للناس" وكما قال تعالى: "ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين".
أما سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فهي الترجمة الفعلية لكتاب الله فيها المخرج من الهلاك والهدى من الضلالة, من تمسك بها فقد استمسك بعروة وثقى لا يضل بعدها ولا يشقى كيف لا وقد استمسك بعروة سيد الأنبياء وخاتمهم.
جعلنا الله وإياكم ممن تمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لننجوا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين








وأتمنى يعجبكم
آخر مواضيعي 0 قصة يأجوج ومأجوج
 
 
قديم 02-13-2010, 01:26 PM   رقم المشاركة : ( 2 )
اا[ أسوٍار VIP ]اا

الصورة الرمزية --» םـَـَـَـَرآ םــْ ⓜ

الملف الشخصي
رقــم العضويــة 315372
تـاريخ التسجيـل Jul 2009
العــــــــمـــــــــر
الــــــــجنــــــس  female
الأقـــــــامـــــــة ..||فيْـ، عآلـِـِـِـِـِمُ آلْجنـِـِـِـِؤن,,~
الدولــــــــــــــــة
المشاركـــــــات 2,725 [+]
عدد الــمواضيع
عدد الـــــــردود
عدد الـــنقــــــاط 503
قوة التـرشيــــح --» םـَـَـَـَرآ םــْ ⓜ is a glorious beacon of light--» םـَـَـَـَرآ םــْ ⓜ is a glorious beacon of light--» םـَـَـَـَرآ םــْ ⓜ is a glorious beacon of light--» םـَـَـَـَرآ םــْ ⓜ is a glorious beacon of light--» םـَـَـَـَرآ םــْ ⓜ is a glorious beacon of light--» םـَـَـَـَرآ םــْ ⓜ is a glorious beacon of light
بيانات اضافيه [ + ]

--» םـَـَـَـَرآ םــْ ⓜ غير متواجد حالياً

افتراضي

جــــزاك الله خـــــــــــــــــــــير
ويعطيك ألـــــــــــف عافــــــية
آخر مواضيعي 0 لماذا يبكون.. ولا أبكي؟؟
0 الحالات التي لا يُصلى فيها على الميّت ّ~..
0 أيهما أفضل الإمامة أم الأذان؟
0 شوفوا الادب ياناس وه بس ههههه ..~
0 من بين كل الأديان : لماذا الإسلام ..؟؟؟
 
 
قديم 02-13-2010, 03:51 PM   رقم المشاركة : ( 3 )
.:: أسوار ملكي ::.

الصورة الرمزية شموخ النيل

الملف الشخصي
رقــم العضويــة 454212
تـاريخ التسجيـل Oct 2009
العــــــــمـــــــــر
الــــــــجنــــــس  female
الأقـــــــامـــــــة بين الواقع والخيال
الدولــــــــــــــــة
المشاركـــــــات 3,749 [+]
عدد الــمواضيع
عدد الـــــــردود
عدد الـــنقــــــاط 19
قوة التـرشيــــح شموخ النيل is on a distinguished road
بيانات اضافيه [ + ]

شموخ النيل غير متواجد حالياً

افتراضي

الله يجزاك الف خير يا سنديات ويجمعني وياك في جنات الفردوس بصحبة الرسول (ًًص)
والجميع
يارب
آخر مواضيعي 0 >..<(لــن أنـــســى جـــرحـــك حــتــى ممــــاتي)>..<
0 OoOoحبيبيoOoO
0 حكم قول ،، مع تحياتي ،،
0 ((سجل دخولكـ باسم أحد -مشايخ الاسلام-))
0 معانا في قسمنا (( لكل مجتهد نصيب )) شموخ النيل &ملكة الرومانسيه
 
 
قديم 02-13-2010, 07:02 PM   رقم المشاركة : ( 4 )
.:: اسوار لامع ::.

الصورة الرمزية أبو عمار

الملف الشخصي
رقــم العضويــة 182437
تـاريخ التسجيـل Mar 2009
العــــــــمـــــــــر
الــــــــجنــــــس  male
الأقـــــــامـــــــة بلاد الحرمين
الدولــــــــــــــــة
المشاركـــــــات 5,670 [+]
عدد الــمواضيع
عدد الـــــــردود
عدد الـــنقــــــاط 457
قوة التـرشيــــح أبو عمار is a glorious beacon of lightأبو عمار is a glorious beacon of lightأبو عمار is a glorious beacon of lightأبو عمار is a glorious beacon of lightأبو عمار is a glorious beacon of light
بيانات اضافيه [ + ]

أبو عمار غير متواجد حالياً

افتراضي

جزاكي الله خير على الموضوع وجعله الله في ميزان حسناتك
آخر مواضيعي 0 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
 
قديم 02-14-2010, 05:31 PM   رقم المشاركة : ( 5 )
..:: اسوار LOVE ::..

الصورة الرمزية S๏๏иањ

الملف الشخصي
رقــم العضويــة 61311
تـاريخ التسجيـل Sep 2008
العــــــــمـــــــــر
الــــــــجنــــــس  female
الأقـــــــامـــــــة ~
الدولــــــــــــــــة
المشاركـــــــات 24,823 [+]
عدد الــمواضيع
عدد الـــــــردود
عدد الـــنقــــــاط 3473
قوة التـرشيــــح S๏๏иањ has a reputation beyond reputeS๏๏иањ has a reputation beyond reputeS๏๏иањ has a reputation beyond reputeS๏๏иањ has a reputation beyond reputeS๏๏иањ has a reputation beyond reputeS๏๏иањ has a reputation beyond reputeS๏๏иањ has a reputation beyond reputeS๏๏иањ has a reputation beyond reputeS๏๏иањ has a reputation beyond reputeS๏๏иањ has a reputation beyond reputeS๏๏иањ has a reputation beyond repute
بيانات اضافيه [ + ]

S๏๏иањ غير متواجد حالياً

افتراضي

جزاك الله خير وجعله الله في ميزان حسناتك
آخر مواضيعي 0 طريقة عمل الكوكيز بالصور
0 تصاميم بمناسبة اليوم الوطني
0 هاام تحفيظ القران لمدة 3 سنوات عن طريق النت
0 الواتس اب < طلب مساعده..
0 مدمنة البلاك بيري
 
 
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
يأجوج ومأجوج ..حقائق مذهلة.. بنوته قطريه منتدى الاسلاميه و الاسلام 9 07-31-2009 12:24 AM
هل مازلت تشك أنهم يأجوج ومأجوج!؟ ĉάяịŝмά«•• صور منوعه Photos - صور فلكر - خلفيات للكمبيوتر جديده 10 04-25-2009 03:50 AM
يأجوج ومأجوج والبحيرة التي سيشربون منها بالصور **خجل** منتدى الاسلاميه و الاسلام 9 04-21-2009 01:01 AM
غزو العراق وتدميره بسبب "يأجوج ومأجوج" تبريرات بوش!! المنير اخبار اليوم - جرائم - اخبار السعودية 4 03-30-2009 12:02 AM
للبحيره التي سيشرب منها يأجوج ومأجوج كامله حتى تنشف وحيد الروح منتدى الاسلاميه و الاسلام 4 01-18-2009 05:28 PM


الساعة الآن: 09:22 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.

تنبيه: لا يتحمّل موقع ومنتديات أسوار أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها أو نشرها في موقعنا، ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل المسؤولية عن كتاباتهم وإدراجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر وللتبليغ عن أي مواد مخالفة يرجى مراسلتنا من هنا .